العملات الرقمية للاستثمار أم للاندثار؟

0
29

يمكن اعتبار مقالة اليوم تتمة لحلقة (أصل المال) التي حكينا فيها قصة المال من البداية، وقلنا في نهايتها أن القصة لا تكتمل بدون الحديث عن العملات الرقمية (أو الكريبتو كورينسيز) وأننا سنخصص حلقة كاملة عنها نشرح فيها كل ما يتعلق بهذه العملات التي تتصدر المشهد الاقتصادي اليوم… واليوم نفي بالوعد  

أنا محمد سلمان، وهذه حلقة جديدة. 

حلقة اصل المال 

أعلم أن كثير منكم يريد الوصول إلى زبدة الكلام مباشرة، يعني ما هو موقف محمد سلمان من العملات الرقمية؟ وأي عملة رقمية ينصح بتداولها؟ وأمور تفصيلية أخرى، لكن دعونا نتذكر أن هناك كثير من المتابعين أيضا لا يعلمون شيئا حول هذا الموضوع ولا يصح القفز إلى الاستنتاج دون أن نشرح ماهية العملات الرقمية وقصتها من الألف إلى الياء، ولو بشكل مبسط، حتى يتمكن كل متابع منكم من تكوين (SE:) رأيه الخاص وموقفه من التداول في العملات الرقمية.  

إذا فتحت غوغل/ مثلا، وكتبت (ما هي العملات الرقمية؟) سيظهر لك نتائج كثيرة، وكلها تقريبا ستقول إن بداية العملات الرقمية كانت في تسعينيات القرن الماضي وترافقت مع الثورة التكنولوجية والرقمية التي شهدتها تلك الحقبة.  

لكن الحقيقة هي أن الفكرة أقدم من ذلك بكثير. 

من شاهد منكم حلقة أصل المال يتذكر أننا قلنا إن القيمة الحقيقية للعملات التقليدية مثل الدولار والين وغيرهم، تأتي بالدرجة الأولى من مفهوم الثقة بمن يقوم بإصدارها، أي بالدول وبنوكها المركزية، وهذا بدأ بعدما فكت أمريكا ارتباط الدولار بالذهب والفضة سنة 1971.  

هنا بدأت الفكرة تدور في أذهان البعض، طالما أن الثقة هي جوهر العملات الحالية المتداولة، وليس أو المعادن النادرة، ماذا لو تمكنا نحن من إصدار عملة يثق بها الناس، بعيدًا عن البنوك المركزية وعن الوسطاء الماليين الذين يكسبون أموال طائلة من التعاملات المالية بين الناس بدون وجه حق، وبعيدًا عن أعين السلطات التي تريد أن تعرف كل شاردة وواردة عن التعاملات والتحويلات المالية؟  

أولى المحاولات العملية لتحويل الفكرة إلى واقع كانت مع شخص اسمه ديفيد تشوم، تشوم هذا بدأ عام 1983 بمحاولة إنشاء نظام عملات إلكترونية مشفر أسماه  ecash وفي سنة 1995 طبق الفكرة من خلال نظام دفع الكتروني كان اسمه DigiCash.  

نأتي إلى سنة 1998 والتي تعتبر البداية النظرية للعملات المشفرة، شخص اسمه واي داي، مهندس حواسيب من أصل صيني جاءته فكرة شيء سماه B Money … عملة رقمية تستخدم نظام لا مركزي، وسنشرح معنى (نظام لا مركزي) بعد قليل. 

لكن المشكلة التي واجهت هذه الأفكار وتسببت في فشلها هو ضعف تكنولوجيا ذلك العصر… فحتى تكون هكذا عملة ذات قيمة… يجب أن يثق الناس بها، وحتى يثق الناس بها يجب أن تكون آمنة، محمية من الاختراق والتزوير، ويمكن مراقبتها من قبل الجميع، وهذا يتطلب كومبيوترات قوية وسريعة، ومساحات تخزين ضخمة، وشبكة انترنت سريعة وموثوقة، وكل هذا لم يكن قد توفر بعد في حقبة التسعينيات.  

لكن بعد مرور سنوات، وتحديدا في عام 2009، تغير الوضع…شخص اسمه ساتوشي ناكاموتو (من هو؟ هل هو اسمه الحقيقي؟ هل هم مجموعة أشخاص وليسوا شخص واحد؟ لا أحد يعرف!) … المهم أن هذا الساتوشي أطلق أول عملة مشفرة متكاملة تحت مسمى (بيتكوين) باستخدام تقنية اسمها بلوك تشاين…  

وهنا سأحاول تبسيط المفهوم قدر الإمكان: البلوك تشاين (أو سلسلة الكتل بالعربية، أو دفتر الأستاذ كما يسميها البعض) هي نظام ليس له مركز أو سلطة مركزية تشرف عليه، بل كل من هو منخرط في هذه الشبكة هو مشرف، يعني… 

كل إجراء أو عملية تحويل ضمن هذه الشبكة يتم مراقبتها وتسجيلها من قبل أكثر من طرف، ولا يتم اعتبار أي عملية تحويل من محفظة إلى محفظة أنها عملية نظامية إلا بعد موافقة جميع الأطراف على صحة العملية، وهكذا تضمن الشبكة عدم وجود إنفاق مزدوج، والذي هو استخدام المبلغ نفسه أكثر من مرة… يعني بالعربي البسيط منع الاحتيال.  

كان هذا شرح موجز وسريع لمفهوم العملات المشفرة، والآن نصل إلى لب الموضوع، هل العملات المشفرة شيء جيد أو سيء؟ هل أنصح بالتداول فيها أم لا؟ وهل هذه العملات هي مستقبل الاقتصاد والمال أم أن الأيام ستثبت فشلها؟  

في الحقيقة هناك معسكران في عالم الاقتصاد والمال، معسكر مع… ومعسكر ضد، ولكل منهما وجهة نظره وأسبابه، فدعونا في البداية نلقي نظرة سريعة على موقف المؤيدين للعملات المشفرة ونرى على ماذا يبنون موقفهم:  

يقول أنصار العملات المشفرة إنها تحمل ميزات العملة التقليدية لناحية البيع والشراء، لكنها غير قابلة للتزوير كما هو حال العملات التقليدية، ومن شبه المستحيل اختراقها، وهي تتيح التخلص من هيمنة البنوك والوسطاء الذين يأخذون نسبة عالية مقابل كل عملية تحويل مالي، والأهم أنها لا تخضع لرقابة الدول وأعين السطات المالية التي تريد أن تعرف كل شيء عن المرسل والمستلم ومقدار المال وأين يُصرف وعلى ماذا يُصرف تحت ذريعة مكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال، وبذلك تنتهك خصوصية الناس وتقيد حريتهم. 

الميزة الإضافية للعملات المشفرة هو أن تعاملاتها وتحويلاتها تتم بسرعة وسهولة. لكن الأهم من كل ما سبق، حسب المعسكر المؤيد للعملات المشفرة، هو أن قيمتها في صعود دائم، على عكس العملات التقليدية التي يحكمها مبدأ التضخم.  

يعني لنأخذ مثالًا الدولار الأمريكي: القدرة الشرائية لدولار أمريكي واحد في عام 1900 كانت أكبر بكثير من القدرة الشرائية لهذا الدولار في عام 1950، وهذه بدورها كانت أكبر بكثير من القدرة الشرائية للدولار في عام 2020، يعني في عام 1900كنت تستطيع شراء دراجة لابنك بدولار واحد أما اليوم فنفس الدراجة ستكلفك ما بين 50 -100 دولار. 

هذا يدل على أن القدرة الشرائية للدولار تنخفض مع مرور الزمن وما ينطبق على الدولار ينطبق أيضا على جميع العملات التقليدية.  

في المقابل، ترتفع قيمة العملات الرقمية مع تقدم الزمن، لأنها ببساطة متحررة من عامل التضخم، فالبيتكوين على سبيل المثال لها حد أعظمي هو 21 مليون وحدة نقدية، أي لن يتم إنشاء المزيد من بمجرد وصولها الى هذا الرقم، ولذلك نرى قيمة البيتكوين ترتفع باضطراد حتى وإن تخلل هذا انخفاض في قيمتها من وقت لآخر نتيجة المضاربات أو الاضطرابات السوقية.  

كلام جميل، لكن ماذا لدى المعسكر الآخر من مآخذ على البيتكوين وغيرها من العملات المشفرة؟ تعالوا لنرى بعضها، لأن السلبيات كثيرة وصعب تعدادها كلها:  

العيب الأول من وجهة نظر المشككين في العملات المشفرة هو ما يراه مؤيدوها أهم ميزة فيها، أي التشفير، فهذا التشفير يسبب ضبابية الموضوع، يعني لا أحد يعرف من يقوم باصدارها وأين هي موجودة، والناس تجد صعوبة في فهم آلية إنشاء هذه العملات (أي التعدين) وتقنية البلوك تشاين التي تستخدمها، وبالتالي من الصعب على الناس أن يثقوا بالمجهول، ولذلك نرى كثير من الشركات والمنتجين لا يقبلون العملات المشفرة في تعاملاتهم. 

 

رقم 2 هو أنها بدون رقابة، وهذا يعني أن سوق العملات المشفرة يعج بالمجرمين والملاحقين قانونيا وتستخدمه العصابات والشبكات الاجرامية حول العالم في عمليات غسل الأموال وتبييضها..  

ثالثا، إذا خسرت أموالك التقليدية نتيجة عملية احتيال أو نصب أو تهكير، هناك سلطات تستطيع اللجوء إليها وتقديم شكوى وقد تتمكن من استرجاع أموالك، أما في عالم العملات المشفرة فلا أحد سيتدخل لإنقاذك.. يعني بالعربي البسيط إذا طارت أموالك المشفرة فأنت ببساطة “ودّعت المونديال”.. يعني بسلامتك.  

والآن سأجيب عن السؤال الذي وجهه لي كثير من المتابعين: هل أنا مع الاستثمار في العملات المشفرة أم ضد؟  

في الحقيقة بعضكم يعرف سلفاً موقفي من هذا الموضوع، لكن لا بأس من التوضيح أكثر… 

أنا شخصيًا لا مشكلة لدي مع ظهور أفكار جديدة ومتطورة في عالم الاستثمار والمال، بل أنا أراها ضرورة حتمية لأن العالم يتطور وهذه طبيعة الأمور، وأيضا لا مشكلة لدي مع العملات الرقمية كمفهوم، وهي فعلًا حققت مكاسب استثمارية فعلية لكثير من الأشخاص…  

لكن حتى أكون واضح وشفاف… مشكلتي الوحيدة مع العملات المشفرة بالعموم والبيتكوين على وجه التحديد هو نفس السبب الذي يقول مخترعوها أنهم اخترعوها لأجله…  

أي التخلص من هيمنة سماسرة المال والبنوك الكبيرة وأصحاب المليارات… هم يقولون إنهم أنشأوا هذه العملة لمساعدة الناس البسطاء في تحويل الأموال بدون دفع عمولات باهظة، يعني العملة المشفرة في الأساس كان الهدف منها هو الثورة على النظام المالي الذي يتحكم به الأثرياء… لكن نظرة سريعة على ما يحدث اليوم ستوضح لنا أن العكس هو الصحيح… 

ولأوضح ما اقصد… انظروا ما فعله الملياردير إيلون ماسك على سبيل المثال… الرجل بتغريدة واحدة دفع ملايين الناس  ومعظمهم من البسطاء لشراء البيتكوين والاستثمار فيها ببساطة لأن إيلون ماسك يستثمر فيها، وعندما وصلت قيمة البيتكون إلى ما يقارب 55 ألف دولار للبيتكوين الواحد، فاجأ ماسك العالم بإعلانه أن “قيمة البيتكوين مرتفعة بشكل غير مبرر” وأن شركة تسلا (NASDAQ:) لن تقبل بعد اليوم البيتكوين في شراء سياراتها بحجة أن عملية تعدين البيتكوين تتسبب في استهلاك الوقود الأحفوري الذي يسبب انبعاثات غازية مضرة بالبيئة! وخلال أقل من ساعتين على هذه التغريدة انخفضت قيمة البيتكوين 10%! تخيلوا… 10% خلال ساعتين!  

طبعًا يستطيع ماسك أن يقول ما يريد وأن يدعي خوفه على البيئة، لكن الحقيقة من وجهة نظري هي أن هذا الملياردير يلعب لعبة اسمها pump and dump أو بالعربي ضخ وتفريغ، يعني التلاعب بالأسعار بهدف تحقيق مكاسب غير مشروعة. 

وربما هذا هو أكبر مأخذ على العملات المشفرة، وهو أنها غير محمية بتشريعات وقوانين تمنع التلاعب كما هو الحال مع العملات التقليدية، بمعنى لو كان ايلون ماسك يلعب هذه اللعبة في سوق الفوركس التقليدي لربما رأيتموه الآن في السجن.  

يبقى أن نشير في نهاية الحلقة إلى أن البنوك المركزية تدخل عالم العملات الرقمية أيضا، مثل الرقمي، وهناك خطط أمريكية لإصدار دولار رقمي إضافة إلى خطط فيسبوك (NASDAQ:) لإطلاق عملة رقمية اسمها “ليبرا”…وغيرها الكثير.  

بعد هذا الشرح المفصل والطويل… محمد سلمان لا يستطيع أن يقول لك استثمر في أو أو لا تستثمر، لأن المسألة فيها مسؤولية كبيرة، فكما أن هناك مستثمرين خسروا أموالا طائلة في العملات المشفرة، هناك آخرين حققوا مكاسب فوق التصور…. والكرة الآن في ملعبك عزيزي المشاهد… فما هو رأيك؟

Source investing

اضف رد

من فضلك أدخل تعليقك!
يرجى إدخال اسمك هنا

What is 2 + 5 ?
Please leave these two fields as-is:
IMPORTANT! To be able to proceed, you need to solve the following simple math (so we know that you are a human) :-)